محمد كرد علي

150

خطط الشام

وقال : من تقلد هذا السيف وسار إلى مروان فقاتله فله الخلافة بعدي ، فتحاماه الناس وقام عبد اللّه بن علي فتقلده ، وسار فقاتل مروان فقتله ، فلما مات أبو العباس قام بالخلافة وبايعه الناس على ذلك ، وكان أجلدهم وأشجعهم ، فهال ذلك أبا جعفر واستشار أبا مسلم فقال : الرأي أن تعاجله ولا تتأنى به ، وكان عبد اللّه بن علي في مائة ألف مقاتل ومائة ألف من الفعلة ، وحفر الخندق من جبل نصيبين إلى نهرها ، وجعل فيه ما يحتاج إليه من العدة والآلة ، ونصب المجانيق والعرّادات وبث الحسك ، وسدّ الطريق على من يقصده من العراق ، وجعل الخصب والقرى وراءه . ولما وجه أبو جعفر المنصور أبا مسلم الخراساني قال له : أيها الرجل إنما هو أنا أو أنت . فإما أن تسير إلى الشام ، فتصلح أمرها أو أسير أنا . قال أبو مسلم : بل أسير أنا . فاستعد في اثني عشر ألفا من أبطال جنود خراسان ، حتى إذا وافى الشام انحاز إليه من كان بها من الجنود جميعهم ، وبقي عبد اللّه بن علي وحده ، فعفا أبو مسلم عنه ، ولم يؤاخذه بما كان منه وقيل : بل أسره وحمله إلى أبي جعفر ، فخلّده الحبس إلى أن مات ، وهذا هو الأصح ؛ وأبو مسلم من أقرب الناس إلى سفك الدماء ، وقد قتل في دولته ستمائة ألف إنسان ، ولكنه تحامى أن يقتل عم الخليفة ، واكتفى من عقوبة الثائر بالاستيلاء على خزائنه ، وكانت عظيمة ، لأنه استولى كما تقدم على ذخائر خلفاء بني أمية ونعمتهم ، وذلك بعد حروب كثيرة في أرجاء نصيبين في الموضع المعروف بدير الأعور ، وصبر الفريقان شهورا على حروبها . ومع هذا تعاقب على حلب كثير من ولد عبد اللّه بن علي بن العباس نحو مئة سنة . وكان هوى أهل الشام مع عبد اللّه بن علي يوم قام على المنصور ، فلما هزم عبد اللّه عفا المنصور عن الشاميين ، وكان العباسيون كالأمويين يولون في مبدأ أمرهم الولايات لآل بيتهم وأولياء عهد الخلافة .